السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

89

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يريد اختلافهم في الدين وإنما كان ذلك بغيا بينهم كما يذكره في مواضع من كلامه كقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ - إلى أن قال - فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( الجاثية / 17 ) . فالمراد بقوله : « يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ » القضاء الفاصل بين الحق والباطل والمحق والمبطل والباقي ظاهر . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ الخ ؛ العطف على محذوف كأنه قيل : ألم يبين لهم كذا وكذا ، أو لم يهد لهم ، الخ ؛ والهداية بمعنى التبيين أو من مضمّن معنى التبيين ولذا عدّي باللام . وقوله : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ مشير إلى الفاعل قائم مقامه ، والمعنى : أو لم يبين لهم كثرة من أهلكنا من القرون والحال أنهم يمشون في مساكنهم . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ المراد بالسمع سمع المواعظ المؤدّي إلى طاعة الحق وقبوله . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ الخ ؛ قال في المجمع : السوق الحث على السير من ساقه يسوقه ، وقال : الجرز الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها . انتهى . والزرع مصدر في الأصل والمراد به هنا المزروع . والآية تذكر آية أخرى من آيات اللّه سبحانه تدل على حسن تدبيره للأشياء وخاصة ذوي الحياة منها كالأنعام والإنسان ، والمراد بسوق الماء إلى الأرض الخالية من النبات سوق السحب الحاملة للأمطار إليها ، ففي نزول ماء المطر منها حياة الأرض وخروج الزرع واغتذاء الإنسان والأنعام التي يسخّرها ويربّيها لمقاصد حياته .